الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

464

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أو ما استقرّ لنا ، فاللام في قوله : لَنا لام الاختصاص و « أن » حرف مصدر واستقبال ، و نُقاتِلْ منصوب بأن ، ولما كان حرف المصدر يقتضي أن يكون الفعل بعده في تأويل المصدر ، فالمصدر المنسبك من أن وفعلها إما أن يجعل مجرورا بحرف جر مقدر قبل أن مناسب لتعلق ( لا نقاتل ) بالخبر ما لنا في ألا نقاتل أي انتفاء قتالنا أو ما لنا لألا نقاتل أي لأجل انتفاء قتالنا ، فيكون معنى الكلام إنكارهم أن يثبت لهم سبب يحملهم على تركهم القتال ، أو سبب لأجل تركهم القتال ، أي لا يكون لهم ذلك . وإما أن يجعل المصدر المنسبك بدلا من ضمير لَنا : بدل اشتمال ، والتقدير : ما لنا لتركنا القتال . ومثل هذا النظم يجيء بأشكال خمسة : مثل ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ [ يوسف : 11 ] وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي [ يس : 22 ] ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * [ الصافات : 154 ] فمالك والتلدد حول نجد * فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ * [ النساء : 88 ] ، والأكثر أن يكون ما بعد الاستفهام في موضع حال ، ولكن الإعراب يختلف ومآل المعنى متحد . و « ما » مبتدأ و « لنا » خبره ، والمعنى : أي شيء كان لنا . وجملة « ألا نقاتل » حال وهي قيد للاستفهام الإنكاري ، أي لا يثبت لنا شيء في حالة تركنا القتال . وهذا كنظائره في قولك : ما لي لا أفعل أو ما لي أفعل ، فإن مصدرية مجرورة بحرف جر محذوف يقدر بفي أو لام الجر ، متعلق بما تعلق به لَنا . وجملة وَقَدْ أُخْرِجْنا حال معللة لوجه الإنكار ، أي إنهم في هذه الحال أبعد الناس عن ترك القتال ؛ لأن أسباب حب الحياة تضعف في حالة الضر والكدر بالإخراج من الديار والأبناء . وعطف الأبناء على الديار لأن الإخراج يطلق على إبعاد الشيء من حيزه ، وعلى إبعاده من بين ما يصاحبه ، ولا حاجة إلى دعوى جعل الواو عاطفة عاملا محذوفا تقديره وأبعدنا عن أبنائنا . وقوله : فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إلخ . جملة معترضة ، وهي محل العبرة والموعظة لتحذير المسلمين من حال هؤلاء أن يتولوا عن القتال بعد أن أخرجهم المشركون من ديارهم وأبنائهم ، وبعد أن تمنوا قتال أعدائهم وفرضه اللّه عليهم والإشارة إلى ما حكاه اللّه عنهم بعد بقوله : فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [ البقرة : 249 ] إلخ . وقوله : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ تذييل ، لأن فعلهم هذا من الظلم ؛ لأنهم لما طلبوا